صديق الحسيني القنوجي البخاري

33

فتح البيان في مقاصد القرآن

أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ الأيدي جمع اليد أي الجارحة فكني بذلك عن الأعمال لأن أكثر الأعمال إنما يزاول باليد ، وقيل جمع اليد التي بمعنى القوة والقدرة ، قال قتادة أعطوا قوة في العباد ونصرا في الدين قال الواحدي وبه قال مجاهد وسعيد بن جبير والمفسرون قال النحاس أما الأبصار فمتفق على أنها البصائر في الدين والعلم وأما الأيدي فمختلف في تأويلها فأهل التفسير يقولون إنها القوة في الدين ، وقوم يقولون الأيدي جمع يد ، وهي النعمة أي هم أصحاب النعم الذين أنعم اللّه عز وجل عليهم وقيل هم أصحاب النعم على الناس والإحسان إليهم لأنهم قد أحسنوا وقدموا خيرا واختار هذا ابن جرير ، قرأ الجمهور الأيدي بإثبات الياء وقرىء بغير ياء فقيل معناها معنى الأولى وإنما حذفت الياء لدلالة كسرة الدال عليها وقيل الأيد القوة إلا أن الزمخشري قال وتفسيره بالأيد من التأييد قلق غير متمكن انتهى وكأنه إنما قلق عنده لعطف الأبصار عليه . فهو غير مناسب للأيد من التأييد وقد يقال إنه لا يراد حقيقة الجوارح إذ كل أحد كذلك إنما المراد الكناية عن العمل الصالح والتفكر ببصيرته فلم يقلق حينئذ إذ لم يرد حقيقة الأبصار وكأنه قيل أولي القوة والتفكر بالبصيرة ، وقد نحا الزمخشري إلى شيء من هذا قبل ذلك ، قاله السمين ، قال ابن عباس القوة في العبادة والأبصار ، الفقه في الدين ؛ وعنه قال الأيدي النعمة وقيل أولي الأعمال الجليلة ، والعلوم الشريفة فعبر بالأيدي عن الأعمال والأبصار عن المعارف لأنها أقوى مباديها . [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 46 إلى 54 ] إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ( 46 ) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ ( 47 ) وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ ( 48 ) هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ( 49 ) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ ( 50 ) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ ( 51 ) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ ( 52 ) هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ ( 53 ) إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ ( 54 ) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ تعليل لما وصفوا به من شرف العبودية ، وعلو الرتبة في العلم والعمل ، قرأ الجمهور بخالصة بالتنوين وعدم الإضافة على أنها مصدر بمعنى الإخلاص ، فيكون ذكرى منصوبا به أو بمعنى الخلوص ، فيكون ذكرى مرفوعا به أو يكون خالصة اسم فاعل على بابه ، وذكرى بدل منها أو بيان لها أو منصوبة بإضمار أعني أو مرفوعة على إضمار مبتدأ ، والدار مفعول به بذكرى أو ظرف إما على الاتساع أو على إسقاط الخافض ، وعلى كل تقدير فخالصة صفة لموصوف محذوف ، والباء للسببية ، أي بسبب خصلة خالصة لا شوب فيها ، وقرىء بإضافة خالصة إلى ذكرى ، على أن الإضافة للبيان ، لأن الخالصة قد تكون ذكرى وغير ذكرى ، كما في قوله بِشِهابٍ قَبَسٍ [ النمل : 7 ] لأن الشهاب يكون قبسا وغيره ، أو